هشام جعيط
285
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
- 20 - الاستمرارية ، الإضافات والابتكارات هذه كوفة نصف القرن الأخير من العهد الأموي هي بالذات التي عاش فيها أبو مخنف . لا شك أنه ألف كتبه في مطلع العصر العباسي ، كما بيّن ماسينيون ، فاستعرض العصور السابقة ، وبذل جهده في إحياء ما مضى من الأحداث ، لكن الكوفة التي كانت نصب عينيه هي تلك التي امتدت حياتها من سنة 80 إلى سنة 130 ه ، أي كوفة لم تعد تحدّد ذاتها المجالية بالمدينة - المصر المتراصة المنحصرة على نفسها ، بل صارت تنزع إلى ضم العديد من التجمعات شبه المدنية التي دخلت في فلكها ويشهد على ذلك تكاثر المنشآت الخارجية التي أمر بها الخلفاء الأمويون الأواخر والأوائل من العباسيين على السواء ، من مثل سوق يوسف بن عمر في الحيرة ، وسوق أسد ومدينة ابن هبيرة ، وزرارة وهي آخذة هيئتها في ذلك الوقت ، والرصافة والهاشمية ، وقصر أبي الخصيب . أما بخصوص الخطط التي بقيت مع المركز ، العنصر الأساسي للهيكل المدني ، فينبغي تسجيل استمرارية الاستيطانات القبلية ، واستقرار الأوضاع أيضا . لم يأت سكان عرب جدد زرافات للإقامة ، ولم يجر أي إحداث جديد في الخطط ولا كذلك التحولات التي هي هجرات داخلية كما وقع في الخمسين سنة الأولى . لقد تزايد عدد الموالي إنما أقاموا في خطط أسيادهم . وإذ ورد ذكر مسجد للموالي ، وقد وضعه ماسينيون غلطا « 1 » بأحد أطراف المدينة ، فهذا لا يدل على وجود استيطان خصوصي للموالي غير مندمج في الخطط ، ولا على سكن مستقل لهم « 2 » . إن ما طرأ من تغييرات على نسق الخطط بمفعول النمو العمراني ، قد وقع على نمط إما التمدد والدفع إلى الخارج أو عبر التراص الداخلي . لكن عند الحديث عن الكوفة والأزقة والمتاهات والكثافة السكنية التي لا شك فيها ، فلا بد من التعرض إلى الوجه
--> ( 1 ) Massignon , Art . cit . , p . 54 . ( 2 ) انظر لاحقا .